ابن الجوزي

278

صفة الصفوة

وقال أبو الحارث الأولاسى : خرجت من حصن أولاس أريد البحر فقال لي بعض إخواني : لا تخرج فإني قد هيّأت لك عجّة حتى تأكل . قال : فجلست وأكلت معه ونزلت إلى الساحل فإذا أنا بإبراهيم بن سعد العلوي قائما يصلّي ، فقلت في نفسي : ما أشك إلا أنه يريد أن يقول لي : امش معي على الماء ، ولئن قال لي لأمشينّ معه . فما استحكم الخاطر حتى سلّم ثم قال . هيه يا أبا الحارث ، أمش على الخاطر . فقلت : بسم اللّه فمشى هو على الماء وذهبت أمشي . فغاصت رجلي فالتفت إليّ وقال : يا أبا الحارث العجّة أخذت برجلك . وعنه قال : أقبلنا من جبل اللّكام « 1 » مع أبي إسحاق العلوي الزاهد ، وكان أبو إسحاق لا يأكل إلا في كل ثلاثة أيام سفّات خرنوب ، فلقينا امرأة وقد سخّر جنديّ حمارا لها . فاستغاثت بنا فكلّمه العلوي فلم يردّ عليها فدعا عليه فخرّ الجندي والمرأة والحمار . ثم أفاقت المرأة ثم أفاق الحمار ومات الجندي . فقلت : لا أصحبك فإنك مستجاب الدعوة وأخشى أن يبدو مني سوء أدب فتدعو عليّ . فقال : لست تأمن ؟ قلت : لا . قال : فأقلل إذا من الدنيا ما استطعت . وعنه قال : خرجت سنة من السنين من مكة ، في وسط السنة ، أريد الشام فإذا في بعض الطريق ثلاثة نفر يتذاكرون ، فتقدّمت وسلّمت عليهم وقلت : أمشي معكم ؟ فقالوا : ما شئت . فمشيت معهم إلى أن تفرقوا وبقيت أنا وآخر . فقال لي : أين تريد يا شاب ؟ فقلت : بلد الشام . فقال : وأنا أريد اللكام . وكان الرجل إبراهيم بن سعد العلوي . فمشينا أياما وافترقنا . وكانت تأتيني كتبه فما شعرت ذات يوم وأنا بالأولاش وقد خرجت أريد البحر ، فإذا برجل صافّ قدميه يصلّي على الماء . فاضطرب قلبي حين رأيته وغلبتني الهيبة له . فلما أحس بي أوجز في صلاته ، ثم التفت إليّ فإذا هو إبراهيم بن سعد العلوي ، فقال لي : غيّب شخصك عني ثلاثة أيام ثم أئتني بعد ذلك . قال : ففعلت ما قال ، ثم جئته بعد ثلاثة أيام فإذا هو قائم مكانه يصلّي . فلما

--> ( 1 ) هو الجبل المشرف على أنطاكية .